أبو البركات بن الأنباري

10

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين

لما حذفوا اللام التي هي الواو من بنو عوّضوا عنها الهمزة في أوله فقالوا : ابن ، ولما حذفوا الفاء التي هي الواو من وعد لم يعوّضوا عنها الهمزة في أوله فلم يقولوا إعد ، وإنما عوّضوا عنها الهاء في آخره فقالوا : عدّة ؛ لأن القياس فيما حذف منه لامه أن يعوّض بالهمزة في أوله ، وفيما حذف منه فاؤه أن يعوّض بالهاء في آخره ، والذي يدل على صحة ذلك أنه لا يوجد في كلامهم ما حذف فاؤه وعوّض بالهمزة في أوله ، كما لا يوجد في كلامهم ما حذف لامه وعوّض بالهاء في آخره « 1 » ، فلما وجدنا في أول « اسم » همزة التعويض علمنا أنه محذوف اللام ، لا محذوف الفاء ؛ لأن حمله على ما له نظير أولى من حمله على ما ليس له نظير ؛ فدلّ على أنه مشتق من السّموّ لا من الوسم .

--> - الآن ؛ إذ كانت كلمة « اسم » من هذا النوع ، فنقول : أما حذف الفاء لغير علة مع عدم التعويض عنها فنحو « سم » على مذهب الكوفيين الذين يقولون إن أصله « وسم » فحذفت الواو التي هي فاء الكلمة بدون علة اقتضت هذا الحذف ولم يعوض من هذا المحذوف شيء أصلا ، وأما حذف الفاء من غير علة تصريفية مع التعويض عنها فنحو « اسم » على مذهب الكوفيين أيضا ، فقد حذفت الواو التي هي فاء الكلمة وعوض عنها همزة الوصل في مكانها ، ونحو « لدة » للترب المساوي في السن فإن أصله ولد بدليل أنه من الولادة ، و « حشة » اسم للأرض الموحشة التي لا أنيس فيها فإن أصله من الوحش ، و « رقة » اسم للفضة فإن أصله واوي الفاء بدليل الورق بفتح الواو وكسر الراء بمعناه ، ونحوه « جهة » اسم للمكان الذي تتوجه إليه ، فإن الاشتقاق يدل على أن أصله من واوي الفاء نحو الوجهة والتوجه وتوجهت تلقاء كذا ، وما أشبه ذلك . وأما ما حذفت لامه اعتباطا ولم يعوض منها شيء فنحو غد ، ويد ، ودم ، وأب ، وأخ ، وحم ، ومنه « سم » عند البصريين الذين يقولون : إن أصله « سمو » فحذفت الواو ولم يعوض منها شيء ، وأما ما حذفت لامه اعتباطا وعوض منها شيء فنحو « اسم » عند البصريين أيضا ؛ فقد حذفت لامه وهي الواو وعوض منها همزة الوصل ، ونظيره « ابن » فإن أصله « بنو » فحذفت لامه اعتباطا وعوض منها همزة الوصل ، ومن ذلك « سنة » و « شفة » و « عزة » و « ثبة » و « كرة » و « عضة » و « ثبة » و « إرة » وأخواتها ، فقد حذفت لامات هذه الكلمات وعوض من هذه اللام تاء التأنيث في مكان المحذوف . وإنما بسطنا لك هذا الموضوع لتعلم أنه ليس هناك ضابط لا ينخرم للحذف والتعويض ، ثم نقول : حاصل الوجه الأول مما رد به المؤلف على ما ذهب إليه الكوفيون أنه إذا عوض حرف من حرف لزم أن يكون حرف العوض في غير مكان الحرف المعوض منه ، وللكوفيين أن يمنعوا ذلك ، وأن يقولوا : لا ، بل يجوز الأمران جميعا : أن يكون العوض في مكان المعوض منه ، وأن يكون حرف العوض في غير مكان الحرف المعوض منه ، وقد عرفت أمثلة ذلك في محذوف الفاء وفي محذوف اللام ، كما عرفت فساد قول المؤلف « كما لا يوجد في كلامهم ما حذف لامه وعوض بالهاء في آخره » . ( 1 ) قد علمت أنه وجد في كلامهم ما حذف لامه وعوض بالهاء في آخره ، وذلك مثل : عزة ، وعضة ، وإرة - بكسر أوائلهن وفتح ثانيهن مخففا - ومثل : كرة ، وقلة ، وثبة - بضم أوائلهن وفتح ثانيهن مخففا - ومثل : سنة ، وشفة - بفتح أولهما وثانيهما - كما وجد في كلامهم ما حذفت فاؤه وعوض منها التاء في آخره نحو لدة ورقة وحشة وجهة من أسماء الأعيان ، ونحو عدة وزنة وهبة وصفة وجدة من المصادر .